أحمد بن محمد ابن عربشاه

123

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

يديه ، وأظهر البشر والسرور والابتهاج والحبور ، وبالغ في الاحتشام والإكرام والاحترام ، وشكر مساعي الأقدام ، ثم بادر إلى دعوته للدخول وتعاطى انجاح ماله من سؤل ومأمول . فقال له الشاب : يا زين الأصحاب وعين الأحباب دع الكلام لضيق المقام ، فقد دهتنى دهية وعرتنى بلية ، وأعظم بها من قضية ويا لها من رزية . فقال : ما هي وقيت الدواهي ؟ فقال : كان بيني وبين واحد من أهل الشقاوة خصومة قديمة وأسباب عداوة ؛ اسمه معروف وذكره موصوف لشخص مفقود لم يكن له حقيقة في الوجود ، وهو من أكابر الزمان وأحد الرؤساء والأعيان ، فتلاقينا في خلوة وتداعينا ما بيننا من جفوة ، وتنابشنا الأسباب ، وتناوشنا باللعن والسباب وتناولنا في الشقاق شق الأعراض ، وتأذن القلوب من الأغراض بالأمراض ، وتنقلنا من المكالمة إلى المشاتمة ، ومن المواصمة « 1 » للملاكمة ، وترقينا من الكفاح إلى الجراح ، فثارت النفس المشئومة إلى إيقاع حركة ذميمة ، فضربته فجرحته وقتيلا طرحته ، ولم يشعر بنا أحد من أهل البادية والبلد ، وندمت غاية الندم وأنى يفيد وقد زلت القدم ، وجرى قلم القضاء بما حكم ، ثم أفكرت بمن أستعين على هذا الأمر اللعين وأدرت في خاطري كل مساعد ومعين فلم يمل القلب إلا إليك ولا استقر الخاطر في ركونه إلا عليك ، وقد قصدت جنابك ويممت بابك ، إذا أنت أعز مخدوم والسر عندك مكتوم ، وها هو مقتولا أتيتك به محمولا ، فاحفر لهذه الجثة حفيرة واخفنى عندك أياما يسيرة ، إلى أن تطفأ هذه النائرة « 2 » ، وتسكن الفتنة الثائرة وهذا وقت المروة وزمان الفتوة والقيام بحق الصداقة والأخوة .

--> ( 1 ) تواصم القوم : عاب بعضهم بعض . ( 2 ) الفتنة .